عين نيوز: قبل 3 سنوات، راهنت واشنطن على أن تقييد وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتقدمة (Advanced semiconductor) سيحافظ على الهيمنة التكنولوجية الأميركية.
كان المنطق بسيطاً: حرمان بيجين من أحدث الرقائق يعني تجميد قدراتها في الذكاء الاصطناعي والدفاع والأمن السيبراني لعقود. لكنّ هذا الرهان لم يُؤتِ ثماره كما تصوّر مُخططوه.
ففي شباط/فبراير 2026، كشف تحليل نشر في مجلة الشؤون الأميركية (American affairs ) أنّ قطاع معدات تصنيع أشباه الموصلات في الصين (Semiconductor Industry in China) قد بلغ مستوى من النضج كان يبدو مستحيلاً قبل بضع سنوات فقط.
ولم تكن هذه فقط أرقام على الورق، فـ شركة هواوي (华为技术有限公司) تبني مرافق تصنيع متطوّرة في شنتشن، مستهدفة الإنتاج التجاري بتقنية 7 نانومتر في وقت مبكر من هذا العام. وشركة SMIC (الشركة الدولية لتصنيع أشباه الموصلات) (Semiconductor Manufacturing International Corporation)، المدعومة من الدولة، تجاوزت المواصفات المعتمدة للمعدات الأجنبية لتحقيق مراحل تصنيع صُمّمت ضوابط التصدير خصيصاً لمنعها.
هذا هو المنطق المقلق للإكراه الاقتصادي: كلما زادت القيود، زاد حافز الطرف الآخر على بناء ما تحجبه عنه. إنها معضلة جوهرية لم تأخذ واشنطن حسابها عندما أطلقت حملتها التكنولوجية ضدّ الصين.
فشل استراتيجية الاحتواء: عندما تحقّق الضوابط عكس ما تسعى إليه
منذ عام 2022، شدّدت الولايات المتحدة ضوابط التصدير تدريجياً حتى عام 2025. وكانت الآثار ملموسة: عطّلت سلاسل إمداد أشباه الموصلات في الصين، وتسبّبت في ارتفاع حادّ في الأسعار، وأخّرت الوصول إلى أحدث تقنيات التصنيع لسنوات عديدة. ويعترف المحللون المستقلون عموماً بأنّ الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بريادة ملحوظة في تصميم وإنتاج الرقائق الإلكترونية المتطوّرة.
لكنّ التقييم الذي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في أيار/مايو 2026 كشف عن نمط ثابت: كلّ تشديد للقيود يدفع الصين إلى مضاعفة استثماراتها المحلية المدعومة من الدولة.
فالصين تستهدف تحقيق اكتفاء ذاتي بنسبة 50% تقريباً في معدّات أشباه الموصلات بحلول عام 2025، ارتفاعاً من 13.6% في عام 2024. ولم توقف ضوابط التصدير هذا المسار، بل ساهمت، وفقاً لبعض المقاييس، في تسريعه.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً لواشنطن: حقّقت أشباه الموصلات مبيعات عالمية بلغت 627.6 مليار دولار أميركي في عام 2024.
وتُعدّ الصين إحدى أكبر الأسواق الفردية في هذا القطاع. وتخسر شركات تصنيع الرقائق الأميركية، التي مُنعت من البيع هناك، إيرادات كان من شأنها تمويل دورات البحث والتطوير التي تُبقيها في الصدارة.
خلصت النماذج الاقتصادية التي أجرتها مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار إلى أنّ الخسائر المستمرة في الإيرادات تُقلّل من الاستثمار في البحث والتطوير، وتُبطئ دورات الابتكار، وتُضعف القدرة التنافسية طويلة الأجل للشركات الأميركية. بعبارة أخرى: صُمّمت الضوابط لحماية الريادة التكنولوجية الأميركية، ولكن من خلال تقليص الإيرادات التي تُموّل أبحاث الرقائق الأميركية، قد تُؤدّي القيود المفرطة في التوسّع إلى تآكل الريادة التي تدّعي هذه الشركات الدفاع عنها.
استراتيجية “العقد الفائقة”
مع ازدياد حجم نماذج الذكاء الاصطناعي لتتجاوز تريليون مُعامل، دخلت المنافسة في مجال الحوسبة الذكية مرحلة جديدة. فبدلاً من التركيز فقط على قوة الرقائق الفردية، تسارع شركات التكنولوجيا الصينية إلى بناء “عُقد فائقة” – أنظمة تربط مئات، بل آلاف، الرقائق لتعمل كحاسوب فائق موحّد.
في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) 2026، كشفت شركات محلية مثل “هواوي وبيرين تكنولوجي” عن منصات أجهزة جديدة، بهدف بناء عقد فائقة قادرة على معالجة نماذج الذكاء الاصطناعي من الجيل التالي.
وبحسب محللي “مورغان ستانلي”، يعكس انتشار حلول العقد الفائقة تحوّلاً في سباق الذكاء الاصطناعي في الصين: فبدلاً من التنافس على مواصفات المعالجات الفردية، تركّز الشركات الآن على الربط بين الرقائق، ومشاركة الذاكرة، واستقرار النظام بشكل عامّ.
ما هي العقدة الفائقة؟
بحسب تشين داليانغ، الرئيس التنفيذي لشركة سوانوفا، يعتقد الكثيرون خطأً أنّ مجرّد تجميع عدد كافٍ من وحدات معالجة الرسومات (GPUs) يكفي لإنشاء عقدة فائقة.
لكنّ هذا غير كافٍ. يجب أن تقوم العقدة الفائقة الحقيقية بدمج قوة الحوسبة والتخزين والشبكات وأنظمة الإدارة ومنصات البرامج بسلاسة، بحيث تعمل المجموعة بأكملها ككيان موحّد. وإذا صُمّمت العقد الفائقة على النحو الأمثل، فيمكنها زيادة قوة الحوسبة بأكثر من 50%، مع مضاعفة عرض النطاق التردّدي للبيانات داخل النظام.
أقوى نظام حوسبة ذكاء اصطناعي
وكشفت “هواوي” النقاب عن نظام Ascend Atlas 950 SuperPoD، الذي يُعتبر أقوى نظام حوسبة ذكاء اصطناعي مطوّر محلياً في الصين. تعتمد هذه المنصة على وحدات أساسية تضمّ 64 بطاقة ذكاء اصطناعي، ويمكن توسيعها لتشمل ما يصل إلى 8192 بطاقة. وفي الوقت نفسه، قدّمت شركة ZTE حلاً للعقدة الفائقة قادراً على دعم 16384 وحدة معالجة رسومية، وهو متوافق مع مجموعة واسعة من رقائق الذكاء الاصطناعي المطوّرة في الصين.
من المتوقّع أن تساعد العقد الفائقة (Supernodes)، من خلال دمج قوة الرقائق الفردية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة، الصين على تجاوز ضوابط التصدير الأميركية. لكنّ التكلفة باهظة: فقد تتجاوز تكلفة تصميم نظام العقدة الفائقة وحده 100 مليون يوان (نحو 14.8 مليون دولار أميركي)، بينما تصل تكلفة كل نموذج أولي إلى 30 مليون يوان. وتستغرق عملية تحسين منصة تنسيق الشبكة قرابة 18 شهراً، مما يجعل خطر تقادم هذه التقنية فور اكتمالها مرتفعاً للغاية.
تحوّل ترامب: من الإنكار الاستراتيجي إلى التجارة القائمة على المعاملات
في تحوّل جذري، تخلّى مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان عن نهج “التدرّج المتدرّج” الذي كان يهدف إلى البقاء “متقدّمة بجيلين فقط” على الصين. وبدلاً من ذلك، سعت الولايات المتحدة إلى “الحفاظ على أكبر قدر ممكن من التفوّق” في مجال الرقائق التي تُشغّل أنظمة الذكاء الاصطناعي والدفاع. عُرف هذا النهج باسم “مبدأ سوليفان التكنولوجي”.
بعد عامين، أصبحت تلك العقيدة في حالة يُرثى لها. في كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلن الرئيس ترامب أنّ شركة “إنفيديا” تستطيع بيع رقائق H200 للصين مقابل 25% من الإيرادات. كان هذا تحوّلاً جذرياً في السياسة، إذ أشار إلى إعادة توجيه جوهرية من سياسة سوليفان القائمة على الرفض الاستراتيجي إلى التجارة القائمة على المعاملات.
فترامب يتعامل الآن مع أشباه الموصلات المتقدّمة كسلع قابلة للتفاوض بدلاً من كونها جواهر التاج للأمن القومي الأميركي.
التناقض كان صارخاً. ففي تموز/يوليو 2025، وافقت الإدارة على بيع رقائق H20 من شركة إنفيديا إلى الصين مقابل 15% من الإيرادات.
وبحلول آب/أغسطس، اشترط ترامب الحصول على حصة 10% في شركة إنتل (Intel) كشرط لتمويل قانون CHIPS.
وفي كانون الأول/ديسمبر، أتاح ترامب طراز H200 – وهي رقائق أقوى بـ 6 مرات تقريباً من H20 – لـ”عملاء معتمدين” في الصين مقابل زيادة قدرها 25%.
لكن بعد أسابيع قليلة، في كانون الثاني/يناير 2026، عرقل ترامب صفقة استحواذ صينية بقيمة 2.9 مليون دولار على أصول أشباه موصلات من شركة إمكور، مُعلّلاً ذلك بمخاوف غير محدّدة تتعلّق بالأمن القومي.
كان من الصعب التوفيق بين هذين الموقفين: وافق على مبيعات بمليارات الدولارات ضمن برنامج H200، ثم منع شراء أصول بملايين الدولارات. الفرق يكمن في أنّ الصفقة الأولى حقّقت إيرادات وحافظت على حصة السوق، بينما تنطوي الأخرى على ملكيّة مباشرة لقدرات التصنيع.
احتكار المعادن: نقطة الضعف الأميركية التي لا تُعالج
بينما تركّز واشنطن على أشباه الموصلات، تتمتع الصين بمزايا هائلة في قاعدة سلسلة توريد التكنولوجيا. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، تُعدّ الصين المُصنّع الرئيسي لـ 19 من أصل 20 معدناً استراتيجياً، مُسيطرةً على 70% من متوسط حصة السوق. وقد ازداد هذا التركيز حدّةً في السنوات الأخيرة رغم التعهّدات بتنويع سلاسل التوريد.
تتمتع الصين بظروف احتكارية شبه كاملة لمواد مثل الغاليوم (98% من الإنتاج العالمي) والجرمانيوم (68%). لكنّ هذه الأرقام لا تُجسّد حجم المشكلة الحقيقي. تمتدّ هيمنة الصين عبر سلسلة التوريد بأكملها، بدءاً من الاستخراج وصولاً إلى الخبرة في المعالجة، بما في ذلك المعرفة الصناعية المتراكمة، وقدرات القوى العاملة، والخبرة التشغيلية التي لا يُضاهيها أيّ بلد آخر حالياً.
في آب/أغسطس 2023، فرضت الصين متطلّبات ترخيص على بعض العناصر الأرضية النادرة الرئيسية، ولا سيما الغاليوم والجرمانيوم.
وبحلول كانون الأول/ديسمبر 2024، حظرت الصين جميع صادرات هذه المواد إلى الولايات المتحدة، إلى جانب الأنتيمون والمواد فائقة الصلابة. وفي نيسان/أبريل 2025، أضافت الصين 7 عناصر أرضية نادرة متوسطة وثقيلة الوزن إلى قوائم مراقبة الصادرات.
وأظهرت بيجين أنها قادرة أيضاً على استخدام سياسة الإنكار الاستراتيجي في منافستها مع واشنطن. فقد مارس المسؤولون الصينيون ضغوطاً فورية على الصناعات الغربية كثيفة المعادن من دون تصنيع أي أشباه موصلات متطورة. وعندما عرض ترامب رقائق H200، بدا أنّ بيجين رفضتها، حيث أشار المسؤولون إلى أنهم “يريدون استقلالاً في صناعة أشباه الموصلات” ويفضّلون “دعم هواوي”.
معركة غير متكافئة الأبعاد
ما الذي يعنيه أنّ ترامب يستطيع الموافقة على بيع رقائق متطوّرة للصين بالسعر المناسب؟ يعني ذلك أنّ مزايا أشباه الموصلات تعمل بشكل مختلف عن معظم الأصول الاستراتيجية. يستطيع ترامب التفاوض على صفقات الوصول إلى الرقائق، لكن لا يمكنه التخلّي عن الاعتماد على المعادن التي استغرق بناؤها عقوداً.
تعامل كلّ من بايدن وترامب مع أشباه الموصلات كأصول استراتيجية تُضاهي النفط في القرن العشرين.
ولكن ماذا لو تصرّفت أشباه الموصلات بشكل مشابه للصلب في القرن التاسع عشر؟ كان الصلب عنصراً أساسياً، لكنّ حدوده التكنولوجية تطوّرت وانتشرت قدراته إلى دول جديدة. هيمنت بريطانيا على إنتاج الصلب عام 1850. وبحلول عام 1900، تفوّقت عليها المصانع الأميركية والألمانية. يمكن لأشباه الموصلات أن تحذو حذوها.
لكن، قد ينطبق الأمر نفسه على ريادة الصين في تكرير المعادن الحيوية. بمجرّد إعادة تنظيم سلاسل التوريد وانتشار تكنولوجيا المعالجة والتكرير إلى مناطق أخرى من العالم، سيتباطأ التنافس على المعادن، وبالتالي سيقلّ الاعتماد على الصين.
قد تحتكر الصين السوق حالياً، ولكن كما هو الحال مع صناعة الصلب، قد تظهر مراكز ابتكار جديدة تُقوّض هذه الهيمنة.
يتعيّن على واشنطن إدارة ريادتها في مجال رقائق أشباه الموصلات وسدّ الفجوة في المعادن. وهذا ليس بالأمر الهيّن. قد تنجح “باكس سيليكا” (Pax silica) وفقاً لشروطها الخاصة، لكنّ سياسات ترامب التكنولوجية القائمة على المعاملات لها جوانب سلبية أيضاً.
فإذا كانت رقائق أشباه الموصلات مصدراً للقوة الأميركية، وإذا كان بالإمكان إتاحة هذه الهيمنة لدول أخرى مقابل ثمن، فإنّ الوصول إلى أشباه الموصلات يصبح خدمة تُشترى، لا أصلاً استراتيجياً يُحمى.
يشير رفض الصين لرقائق H200 إلى أنّ بيجين قد ترفض تماماً أيّ شكل من أشكال الاعتماد على التكنولوجيا الغربية مستقبلاً. في الوقت الراهن، تقبل الصين بفجوات الأداء الحالية للحفاظ على سيطرتها الهيكلية على المعادن الحيوية غداً، إيماناً منها بأنها ستتغلّب على هذه الفجوات في نهاية المطاف.
إنّ السباق التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين لم يعد فقط سباق في تصميم الرقائق. إنه صراع على سلسلة التوريد بأكملها – من المعادن النادرة إلى التصنيع المتقدّم إلى البنية التحتية الرقمية.
ومن يغفل عن هذا البعد الأوسع، كما تفعل واشنطن حالياً، سيجد نفسه يخسر المعركة وهو يحسب أنه يربحها.



